أحمد الشرباصي
80
موسوعة اخلاق القرآن
وبتدبرنا لحديث القرآن عن الطمأنينة نفهم - واللّه اعلم بمراده - أنه يقصد بها الثبات والاستقرار ، ويتحقق هذا بأمور منها : أن تكون النفس موقنة بالحق لا يخالجها فيه ظن أو تردد ، وأن تكون آمنة لا يستفزها خوف ولا حزن وأن تنتهي بآمالها ورغباتها إلى ربها ، فليس وراءه أقوى منه ولا أقدر ، ولذلك يقول الإمام الرازي : « إن حاجات العبد غير متناهية ، وكل ما سوى اللّه تعالى فهو متناهي البقاء والقوة ، إلا بإمداد من اللّه ، وغير المتناهي لا يصير مجبورا بالمتناهي ، فلا بد - في مقابلة حاجة العبد التي لا نهاية لها - من كمال اللّه الذي لا نهاية له ، حتى يحصل الاستقرار ، فثبت ان كل من آثر معرفة اللّه لشيء غير اللّه فهو غير مطمئن ، وليست نفسه نفسا مطمئنة . أما من آثر معرفة اللّه لا لشيء سواه ، فنفسه هي النفس المطمئنة ، وكل من كان كذلك كان أنسه باللّه وشوقه إلى اللّه ، وبقاؤه باللّه ، وكلامه مع اللّه ، فلا جرم يخاطب عند مفارقة الدنيا بقوله : « ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، وهذا الكلام لا ينتفع الانسان به إلا إذا كان كاملا في القوة الفكرية الإلهية أو في التجريد والتفريد » . وينبغي ان يكون معنى قول الرازي : إن حاجات العبد غير متناهية ، إن حاجات الانسان كثيرة موصولة ما دام حيا ، والبقاء الأبدي الذي لا نهاية له إنما هو للّه وحده : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » . والطمأنينة خلق أصحاب العقول الراجحة ، والعلم الراسخ ، والايمان القوي ، والذكر الخالص ، والحق الثابت ، فهم لا يزدهيهم متاع ، ولا يوئسهم تعب ، وما داموا قد اقبلوا على اللّه ، واعتصموا بحبل اللّه ، وحرصوا على ذكر اللّه ، فإنهم لا يذلون لما عداه في هذه الحياة . ولذلك قال سهل بن عبد اللّه : « إذا سكن قلب العبد إلى مولاه واطمأن اليه ، قويت حال العبد ، فإذا قويت أنس بالعبد كلّ شيء » .